أسلمت رأسي المثقل بالمشاعر المضطربة إلى مخدة منحتني اياها إحدى المضيفات التي تبذل المشاعر للجميع دون فرق ، ولطالما حيرتني المضيفات فهم يكادون يرسمون ابتساماتهم ذات المقاس الواحد كما اتخيلهم طوال الأربع وعشرين ساعة للجميع…
تركت كل مالدي من قلق ورائي واستعرت ملامح السعادة من إحدى المضيفات في الطائرة ورسمتها على وجهي وجبيني دائم التقطيب ثم اخذت اول كتاب في حقيبتي وإذ هي مجموعة قصص لبوشكين الروسي أدبا والإفريقي جذورا ذلك الروائي الشاعر الذي يهدهد روح الإنسانية في داخلنا بهدوء ، ويعيد الإيماء دائما نحو نقاط ضعفنا ليعريها أمام أعيننا التي يفتحها عنوة تحت تأثير مشاعر الصدمة..
مضيت اقرأ من صفحة إلى أخرى وأسقط مشاعر كل الضحايا عليّ فأسقط وانهض، وأتعثر وأقوم ، وكلما سابقتني دمعة لتنحدر من عيني مسحتها بكم البلوزة الربيعية التي ارتديها حتى لايراني أحد وبالذات تلك المضيفة التي تشع عيناها بقدر من السعادة غامر ادهش كل من كان في مدى خدمتها المخصص لها في الطائرة ، إلا أنا فقد رأيتها ممثلة بارعة تقتص من قطار الحياة الذي دهسها بكل عنفوان من خلال تصديها له بكل رقيٍّ بقي فيها مع تلك الابتسامة المرسومة بمساحة الثلاث سنمترات على وجهها الجميل لأن الحياة لم تمنح إنسانا ما سعادة كاملة…
انتظرتها حتى وقفت تسألني عن أي خدمة تريد فسألتها من أين أنت فابتسمت وقالت من كل العالم! فقلت لها كلنا كذلك فقالت انا مختلفة ثم مضت لراكب آخر كان يعالج أمر طفل يصرخ منذ ركب الطائرة وكأنه منقذها من الإجابة ، فانصرفتُ أنا لبوشكين وقصصه اللاذعة الموسومة بآلام الفلاحين والمسحوقين وأخذتني قصصه التي عبر بها خط إفريقيا مسقط رأس أجداده التي غرست في وجدان كل أبنائها ظلم الإنسان لأخيه الإنسان وبالذات انسان إفريقيا الذي تم اجتياحه فقط بسبب لونه المختلف حيث منحه الجميع اسورة فاخرة هي القيد ، وجللوه بالسياط في أحسن الأحوال كلما اختلفوا معه أو لم يرتقوا لفهمه ، أما أمه ناديشد فقط أعطته ميراث روسيا الأدبي ولغتها الشاعرة ولهذا عندما قرأت بعض ميراث بوشكين الأدبي سحب مني بعض الضغينة على الحياة التي أوجعتني كثيرا لفرط سذاجة أو لافتقاد حذر وذلك لأنه أقام نقاشاته مع الحياة بحكمة ونفاذ بصيرة يحسده عليها الشيوخ بينما هو لم يتجاوز السابعة والثلاثين عاما من حياته الصاخبة التي انتهت بوفاته قتيلا في صراع مجنون بينه وبين خائن …
وبينما أنا اطوّف في عالم بوشكين الشاعر وإذ بتلك المضيفة تقف مرة أخرى بإزائي و تقول لي فعلا أنا من كل العالم إن كنت مازلت متعجبا وقدمت لي كأس شاي خال من السكر كنت طلبته منها في المرة السابقة ثم قالت أمي يمنية وجدها لأمها حبشي بينما والدي إيطالي ولك أن تذهب بخيالك حيث تشاء لفك معادلة هذا المزيج النادر.
فقلت وكأن هذا المزيج يشبه بنكهته القهوة المتنقلة بين الثقافات الثلاث زراعة وصناعة لتعطيها سماتها الثرية والممتعة ثم قلت أنت تذكريني ببوشكين ثم أومأت بالكتاب الذي بين يدي فقالت نعم هو متعدد الأعراق مثلي وقد ذهبت حياته ثمنا لحالة تهور ثم وكأنما تنحت الكلام من قاع البؤس قالت بعض المرارات التي كحز السكين في جدار القلب لاتُنسى فقلت هذا هو قانون الحياة الذي روض الجميع فقالت نعم ولقد روضنا بكل قسوة ثم سرحت قليلا وقالت قصتي ببساطة تنتهي برحيل أم من هذه الحياة في ظروف عدمية من البؤس والفاقة وثقافة مجتمع لاتحترم حياة الإنسان بل تعطيه قليلا من فتاتها مقابل الكثير الذي يتوجب عليك دفعه فقلت وأين الإيطالي من هذا الفُتات الذي تتحدثين عنه فقالت تعني أبي قلت نعم فقالت هو كل الحكاية ثم قالت أنا أنزل في نهاية هذه الرحلة في لندن وأنزل في قرية صغيرة هي عالمي الجميل الذي ارتضيته بعد كل قلق الحياة الذي حاصرني ثم قالت اسمها آشفورد في مقاطعة كِنْت فإن انتهت رحلتك إلى لندن فلن يفصلك عن عائلتي الجديدة سوى ٤٧ دقيقة بالتاكسي وستعرف هناك تفاصيل الإيطالي الذي كان هو الحكاية بل كل الحكاية ثم قالت بالمناسبة رأيتك تبكي وتخفي بكاءك ثم قالت لايوجد من هو أقوى من الحياة فلا تعتقد أنك الأقوى فقد أبكت الجميع والفرق بين كل الباكين ؛ أن هناك من كانت دموعه تحت الأضواء والبعض الآخر كان قد تولى إلى ظل ما يُخفي عنده عبْرَته ثم ولت إلى أحد الركاب الذي أضاء سر الاستدعاء فهرولت إليه.
ياللنساء! قلتها بعد أن ذهبت إذ كيف لها أن تبصرني أبكي على الرغم من كل محاولاتي للاختباء ولكنه القدر الذي يجعل الأفق يضيق ويتسع والسبب امرأة في الحالين هكذا فلسفت الأمر علني أجد عزاء …
ثم لمعت أنت في رأسي كصداع نصفي يرهقك ولاتملك له حلا وكأنني شعرت أنك تتسائل في هذه اللحظة أين أنا فأنت لاتصدق أنه يمكن لي التحرر منك والاستغناء عنك ربما تصدق وربما لا سأخبرك لاحقا عندما تسنح لي الفرصة فقد أصبحت أجيد استنشاق الأوكسجين بطعمه الجديد بعيدا عنك…
أمضيت معظم الوقت أتسكع جهدي في شارع أكسفورد اللندني لأرى الناس من كل الدنيا وهي تذهب جيئة وذهابا دون أن يكون لي هدف سوى الابتعاد قليلا عن أضوائك المحرقة التي لطالما أشعلت في طاقة الجمال حينما تقبل الي ولطالما أشعلت في الاحتراق عندما تتولى عني أتدري أنني كنت وأنا أبحث في الوجوه كان ضعفي يصور لي أنك ستخرج فجأة من غيب ما أو زاوية لتفاجأني ولكن سرعان ماتركت كل تلك الخيالات وانحرفت قليلا باتجاه شارع إدجار وير رود الذي جعله العرب أحد شوارعهم فأسموه شارع العرب وكأنهم يعيدون الصاع لبريطانيا التي احتلت عددا من مواطنهم فانتقموا منها بإطلاق تسميتهم على أحد شوارعها وياله من انتقام جرت أحداثه في لندن المدينة التي تزدحم بالعرب من كل مكان وبينما أتفكر في أحوال العرب في لندن تذكرت ليلى الفتاة اليمنية أو الإيطالية نسبة لأبيها مضيفة الطائرة الجميلة المبتسمة…
الحقيقة أن كل ثقافة أعطتها شيئا من إرثها فهي حبشية بالنظر لطولها وقوامها الاستثنائي وهي يمنية لذلك اللون القمحي الذي يلمع كالذهب وتلك الأنامل الصغيرة وهي إيطالية فيما عدا ذلك من العيون الخضراء والروح الشغوفة بالحياة….
حددت ليلى موعدا معها يوم الأحد كونه يوم إجازة ولأن زوجها ووالدها الإيطالي سيتواجدان في ذات الوقت فقلت هو كذلك ، ولأن هناك فاصل يومين قبل الموعد فضلت أن يكون يوم الخميس في منطقة غرينيتش تلك المنطقة التي تقسم العالم إلى قسمين شرقا وغربا ولم أجد فيها سوى آثار العلماء والمخترعين الذين كرسوا هيمنة بريطانيا على معظم العالم بسلطة العلم الذي تم تطويعه لإذلال العالم دهرا طويلا…
انقضت الجمعة أيضا وانا في انتظار الموعد مع الإيطالي وليلى… – – – >يتبع

(
(