لعلي أبدأ من مقولة : ” الشعر يغير العالم ” وفي هذا السياق أطرح أسئلة فحواها : كيف سيغير الشعر العالم ؟ وما الذي يفعله الشعر أساسا ؟ .
حين نتأمل إجابة السؤال الأخير تحديدا نجد أن الشعر يحمل على عاتقه مهمة تحقيق شيئين اثنين هما : حرية الإنسان ، وإرادة الإنسان .
أما الأولى فيحققها الشعر بإتاحته الخروج على قوانين اللغة والطبيعة والثقافة والدين ، ومعنى ذلك هو أنه يؤسس عن طريق انزياحاته لفرصة أن يتصرف الإنسان في العالم ، فيحسن قبيحه ، ويقبح حسنه ، ويغير ما شاء من ثوابته ومعاييره.
وأما الثانية ( أي إرادة الإنسان ) فيحققها الشعر بتوفير وسائل التحكم العملية ، حين يخلق إجراءات تتيح الهيمنة الفعلية على الأشياء ، ومن بين تلك الإجراءات :
– يعيد تسمية الأشياء ، أي يغير العلاقة بين الشيء والكلمة .
– يصرف الأشياء إلى هيئات وأوضاع جديدة ، كما صرف امرؤ القيس الليل إلى هيئة جمل يتمطى بصلبه .
– يعيد تشكيل الأشياء ذاتها ، كما فعل مجنون ليلى حين أصبحت يده ينبت في أطرافها الورق الخضر .
– يخلق علاقات جديدة بين الأشياء ، كما فعل المتنبي حين أقام علاقة جديدة بين متعين البحر ، وحركة المشي ! .
– يرمِّز الأشياء ، أي يتخذ لها نظائر قريبة .
وإذن الشعر يحقق حرية الإنسان ، وإرادته ، ويمكنه من الهيمنة على الأشياء .. والسؤال الذي يسوغ طرحه الآن : هل مازال الشعر مضطلعا بهمته هذه ؟ أم إنه تخلى عنها ؟ وبالتالي فقد هيمنته وأداته في ظل وجود عناصر جديدة فرضت سلطتها على واقع الحياة ؟
وأقول : الشعر مازال مضطلعا بهذه المهمة ، ولكن هنالك فرق بين المهمة ، والفعل الحقيقي ، ولئن كان الشعر مازال ملتزما بمهمته ، فإنه تراجع على مستوى الفعل والتأثير في واقع الحياة ، لعدة أسباب ، أجملها في :
– عدم فهم القارئ لما يقال .
– ضعف صلة الشعر بواقع الحياة .
– غرق الشعر في أوهام الخصوصية ، وهموم التجريبية .
هذه الأسباب وربما غيرها تراجعت بالشعر عن أن يكون هو الفاعل الحقيقي ، وكان الشعر قديما هو آلة الإعلام ، وهو صوت الفرد والجماعة ، وهو سيد المجالس ، والمواقف ، والتمثلات ، ولكنه اليوم فقد حضوره وتأثيره ، وبالمقابل أصبحت هنالك عناصر أخرى فاعلة في مسألة تغيير العالم ، يمكن إجمالها في :
– الأحداث السياسية الكبرى ، وما زرعته من قوانين وأنظمة ومفاهيم جديدة .
– التقدم العلمي وما أوجده من الوسائل والتقنيات الحديثة .
– التحولات الاقتصادية الصاعدة ببعض المجتمعات والهابطة ببعضها الآخر .
هذه العوامل أحدثت تغييرا كبيرا على الصعيد الاجتماعي ، فشكلت المفاهيم ، والمواقف ، وأحدثت المنعطفات الكبرى في توجهات الشعوب ، وأنماط حياتها المختلفة ، في حين تراجع الشعر ، وتبعا لذلك التراجع استبدلت به وسائل أخرى ، هي الأكثر فاعلية وتأثيرا ، ومن تلك الوسائل ” الصورة الضوئية ” سينمائية ، أو فوتوغرافية .
لذا نجد عددا من الشعراء اليوم يتوسلون بالصورة الفوتوغرافية المصاحبة – كعتبة بصرية – من أجل أن تقدم القصيدة نفسها نابضة بالجذب والتأثير ، وفي ظني أنها محاولة لا تخدم القصيدة في شيء سوى أنها تبرز ذلك الفرق بين القصيدة والصورة الضوئية ، لصالح هذه الأخيرة طبعا .


(
(