هاأنت والليل مغرمان بالضوء المتسرب من نافذتي ليضيء ماتناثر من العتمة خارج هذا الكوخ ،الذي آوي إليه حينما تجتمع الثريا وكوكب الزهرة اللامع فوق ذلك الكتف السماوي الذي يجعل لكل شيء ظل…
ها أنا أشاهد انعكاس ظلي على ذلك الجدار الوحيد الصامد بشقوقه أمام موسم الحر، الذي يتسلل من تلك الشقوق حيث تسمح لكل شيء بالمرور منها كبيرا أم صغيرا ، ولعل أجمل مايمر منها ، تلك القطرات الباردة التي تتطاير من ذلك الشلال الصغير على وجهي المبتل بعرق الصيف…
لايغرنك صغر هذا الشلال بعد أن سحب منه الصيف قوة الشتاء الهادرة التي تمده بذلك الزخم الكبير لمرور مياه الأمطار والثلج طوال شهر يناير من كل عام ، فهو اليوم يدلل منا خصلات الشعر برذاذه العذب البارد أما في الشتاء حين يولد قويا كهرقل فلايقف أمامه شيء وكما فعل هرقل حينما قتل أولاده بلا خطيئة فهذا الشلال يجتاح أحيانا كل من سكنوا على ضفافه واعتبروه مصدر حياة دون أن يعي أو يعون( لمَ) يحدث كل ذلك لهم ، وبلاخطيئة أيضا غابوا ككل الأبرياء فهم الضحايا دوما، وكما يبقى أهل الخطيئة في الواجهة وفي العناوين فتجد أنهم هم من يعمر العالم ، هم من يقيم ناطحات السحاب ليروننا من فوق ، وهم من يقامرون على الشواطئ ليصادروا منا أخر فرصة للحظ ، وهم من يكتبون لنا الروايات لنصدقهم ، وهم من يصنعون الأفلام لننسى…
وكما الحال بين كل الضحايا وأهل الخطيئة بقى هذا الشلال يمنح كل أحبابه الساكنين في أحضانه بإحدى كفتيه الحياة ويقدم لهم بالأخرى الموت مؤكدا أن وجها للجمال اللذيذ قد يخفى معه في الوجه الآخر الفناء.
حين يأتي الليل أتذكر وجهك الهادئ الملئ بالأسرار وأتذكر عيونك المشيحة عن كل شيء سوى الفضاء وأتساءل حينها أين أنت وفي أي ضفة تُقيم ، هل أويت ياصديق الليل إلى ضفة الضحايا الذين سرق منهم الظل حدائق النور ، أم هل تسربت منك مشاعر العمر لحظة لحظة وأنت بين يقين السقوط واحتمال النجاة،،
أفكر أي صفحة ستُدون فيها قصتك العابرة كقلق الصيف ، كالطير المهاجرة بلا وطن أيه المشيح بوجهه عن كل شيء سوى الفراغ…
أي زاوية من الحياة ستؤيك بعد كل الضجيج والصخب الذي عمرت به حياة كل من سار في دربك المجنون الذي يعيدنا للشلال كيما نبصرك ، ونلمسك في بعض تفاصيله وأنت دون اليقين وفوق الاحتمال.
كم هي الوجوه التي تفسر ما أنت عليه ، وكم هي اللذة التي تخفي ، وكم هو الفناء الذي تعطينا كلما تدثرنا بستور عالمك الغريب..
أما أنا فقد ارتضيت أن أنتظر قبلك وبعدك زوال الظلال المتحولة بين جهتين فلم أعد أخشى مرور الوقت ولا انتهازية الظلال ولا خديعة الضوء وبقيت أنتظر فقط ذلك الشلال فهو لم يغير مواعيده كل الزمن الماضي ولم يغير صفاته ولم أعش معه الاحتمالات أبدا فكل مواعيده وكل صخبه وكل عذاباته وكل نعيمه اخترتها في نفس الوقت من كل عام ، ولم يعد يفاجئني منه سوى مجيئك متقاطعا معه حينما يذوي ضعيفا وكأنك وكما تفعل مع الجميع تمارس جنونك فقط مع الضعفاء حينما يتخلى عنهم الوقت والأمل والأحباب وكل الأشياء…..

(
(